
(آدم وحواء (النفس البشرية والقانون
لماذا لا تكمن الصعوبة الكبرى في ممارسة المحاماة في فهم القواعد، بل في فهم البشر الخاضعين لها؟
ثمة بُعد قانوني عميق في قصة آدم وحواء؛ ففي مطلع القصة البشرية نجد قاعدة وحدّاً لا ينبغي تجاوزه. كان آدم وحواء ينعمان في الجنة، ومع ذلك وُضع أمامهما حد واضح. لم يكن النهي معقداً من الناحية الفنية، ولا عصياً على الفهم؛ فلم يتطلب محامياً، ولا تأويلاً، ولا اجتهاداً متشعباً. كان هناك، ببساطة، أمر واضح بعدم الاقتراب من شجرة بعينها، ومع ذلك لم يكن وضوح القاعدة كافياً لإطفاء الرغبة في تجاوزها. ويروي القرآن الكريم أن آدم وزوجه أُبيح لهما التنعم بالجنة مع النهي عن الاقتراب من تلك الشجرة، ثم حضرت الغواية، وتم تجاوز الحد، وأعقب ذلك الندم والتوبة.[1]
وبالنسبة إلى المحامي، تنطوي هذه القصة القديمة على فكرة بالغة الأهمية: قد يعرف الإنسان القاعدة، ويدرك مصدر إلزامها، ويفهم النتائج المترتبة على مخالفتها، ثم يقنع نفسه، رغم ذلك كله، بالتصرف على خلافها. ولو كان مجرد العلم بالقاعدة يؤدي تلقائياً إلى احترامها، لما احتجنا إلى جانب كبير من القانون أصلاً. بين القاعدة والفعل يقف العقل البشري، بما يتصارع داخله من رغبة وخوف وطموح وكبرياء وضمير ومصلحة ذاتية. وما يزيد الأمر تعقيداً أن الإنسان نادراً ما يرى سلوكه مجرد تعبير صريح عن مصلحته الخاصة؛ فنحن نمتلك قدرة لافتة على إعادة تشكيل ما نريده في أذهاننا حتى يبدو عادلاً أو معقولاً أو منسجماً مع مبدأ نؤمن به.
فنادرٌ أن يقول طرف في عقد لنفسه: «لم أعد أرغب في الوفاء بالتزامي لأن تنفيذه أصبح مكلفاً». الأرجح أنه سيخلص إلى أن الطرف الآخر هو من أخل أولاً، أو أن الظروف قد تغيرت، أو أن التنفيذ الصارم للعقد أصبح مجحفاً أو غير منطقي من الناحية التجارية. والمدير الذي تجذبه فرصة تجارية تخص الشركة قد يقنع نفسه، بإخلاص تام أحياناً، بأنه هو من اكتشفها بصفته الشخصية، أو بأن الشركة لم تكن لتسعى إليها أصلاً. وكثيراً ما يسبق التبرير الداخلي التصرف الخارجي؛ وهذه واحدة من أكثر المسائل التي تجعل النزاعات القانونية معقدة، لأن الشخص الذي يقف على الجانب الخاطئ من الالتزام لا يصل دائماً إلى ذلك الموضع وهو يعتقد في قرارة نفسه أنه مخطئ.
وقبل أن أستوعب شيئاً من ذلك من خلال الممارسة، كان والدي قد بدأ يغرس هذه الأفكار في نفسي بطريقة مختلفة تماماً. كان والدي المحامي المرحوم عبد الله نصار القيسي، أحد المحامين البارزين في الأردن (1980- 2023)، يقول لي في بدايات مسيرتي المهنية: إذا كنت تريد فعلاً أن تصبح محامياً، فلن تكفيك التشريعات والأحكام القضائية. وكان يصر على أن أقرأ القرآن الكريم وأحفظه، ويصر بالقدر ذاته على أن أقرأ الفلسفة. لم تكن هذه العوالم في نظره منفصلة بعضها عن بعض؛ فقد كان يرى أن المحامي الذي يفهم القواعد ولا يحاول أن يفهم الإنسان سيظل يفتقد شيئاً جوهرياً في مهنته.
ولا أزال أتذكر جلوسي أمامه وهو يضع بين يدي كتاباً لهيغل أو ديكارت أو غيرهما من الفلاسفة، ويطلب مني أن أقرأ. كنت أقول له أحياناً، وبكل صدق، إنني لا أفهم ما أقرأه، فيجيبني ببساطة: اقرأ على أي حال، وسيأتي الفهم لاحقاً. في ذلك الوقت لم أكن أستسيغ أن يُجبرني على قراءة كتب بدت لي بعيدة عن الحياة اليومية للمحامي، أما اليوم فأنا ممتن له على ذلك. لم يكن يريد مني أن أحفظ النظريات الفلسفية بقدر ما كان يدفعني إلى التفكير في الدوافع، وفي كيفية إصدار الأحكام على الأمور، وفي أثر السلطة والمال، وفي قدرة الإنسان على خداع نفسه، وفي التناقضات التي يمكن أن تجتمع داخل النفس البشرية الواحدة.
وكان يردد أمامي أيضاً عبارة بقيت عالقة في ذهني طويلاً: «كل نظام يحمل بذور فنائه في داخله». سمعتها منه مرات كثيرة قبل أن أدرك معناها الحقيقي. وبعد سنوات من مشاهدة شركات ناجحة تعصف بها النزاعات الداخلية، وشراكات تبدأ بالصداقة وتنتهي أمام المحاكم، وعائلات تنقسم بسبب المال والملكية، وأشخاص على درجة عالية من الذكاء يقنعون أنفسهم بأن قاعدة غير مريحة ينبغي — لسبب ما — أن تطبق بصورة مختلفة في حالتهم الخاصة، بدأت أفهم ما كان يقصده. فقد يكون النظام محكماً على الورق، لكنه يظل رهناً بمن سيديره، وبالمصالح التي ستؤثر في قرارات القائمين عليه، وبطريقة تصرفهم عندما تتغير الظروف. وينطبق الأمر ذاته على العقود والهياكل المؤسسية وأنظمة الحوكمة.
لقد أثرت تلك الدروس المبكرة في الطريقة التي تعلمت بها ممارسة المحاماة. لم تعلمني الفلسفة كيف أصوغ اتفاقية مساهمين، ولم تكن قراءة القرآن الكريم بديلاً من التشريعات والأحكام القضائية والتدريب المهني، لكنها منحتني زاوية أخرى للنظر إلى البشر. أصبحت أكثر انتباهاً إلى ما لا يقال، وإلى التناقض بين الأقوال والأفعال، وإلى تبدل التعبيرات وردود الفعل والسلوك. ومع الوقت يبدأ المحامي في ملاحظة أن الهاجس الحقيقي لدى الشخص قد يكون مختلفاً تماماً عن الموقف القانوني الذي يعلنه، وأن ما يقال في الاجتماع ليس بالضرورة كامل ما يدور في ذهن صاحبه. كما تعلمت، وأحياناً بطريقة غير مريحة، أن الجانب المظلم والجانب المضيء في النفس البشرية لا يتوزعان بصورة مرتبة بين طرفين متخاصمين. وبعد ما يقارب عقدين من الممارسة، أصبحت أعتقد أن جانباً كبيراً من صعوبة القانون يبدأ من هنا.
القانون صعب، والبشر أصعب
تضع مؤسسة «أكسفورد رويال» (Oxford Royale) تخصص القانون في المرتبة الثانية بعد هندسة الطيران والفضاء ضمن قائمتها لأصعب التخصصات الدراسية، استناداً إلى حجم القراءة ومتطلبات التحليل والتفسير القانوني.[2] ومن المهم التوضيح أن هذا تصنيف صادر عن «أكسفورد رويال»، وليس دراسة أكاديمية صادرة عن جامعة أكسفورد ذاتها. ومهما يكن الرأي في مثل هذه التصنيفات، فلا شك في أن القانون يتطلب جهداً ذهنياً كبيراً؛ فالنصوص القانونية تتداخل وتتفاعل، والكلمات تستمد دلالتها من السياق، والأحكام والسوابق يجب أن توزن بعناية، وقد تؤدي صياغة تبدو بسيطة إلى نتائج قانونية لم يكن غير المتخصص ليتوقعها.
غير أن الممارسة المهنية تطرح صعوبة لا يمكن حلها بمجرد تعميق البحث القانوني؛ فالنصوص يمكن الرجوع إليها ومقارنتها وتحليلها، أما البشر فلا يثبتون على حال واحدة. فالشخص عينه الذي يتفاوض بهدوء على صفقة تقدر بملايين الدولارات قد يفقد قدرته على التقدير المتوازن بمجرد أن يمس النزاع كبرياءه أو سمعته أو سيطرته. والشخص الذي يبدو عقلانياً تماماً ما دامت المصالح متوافقة قد يتصرف بصورة مختلفة جذرياً عندما تبدأ تلك المصالح في التباعد. والمحامون يرون ذلك أكثر من غيرهم لأننا نادراً ما نلتقي الناس في لحظاتهم المحايدة؛ نلتقي بهم بعد أن يشعر مساهم بأنه أُقصي، أو بعد أن تختفي الأموال، أو بعد أن يُتهم موظف بالخيانة، أو بعد أن يبدأ زوجان كانا يتشاركان حياة واحدة في نسج روايتين متضاربتين عن تلك الحياة ذاتها.
وهنا يبدأ المحامي أيضاً في إدراك الفارق بين صدق الرواية وصحتها. فقد يكون الموكل صادقاً تماماً فيما يقوله، ومع ذلك يكون مخطئاً. وربما لا يحاول تضليل محاميه على الإطلاق، بل يكون قد عاش مع تفسيره للأحداث زمناً طويلاً حتى امتزج التفسير بالوقائع في ذهنه وأصبح الفصل بينهما عسيراً. وهذه من المسائل التي يصعب على المحامي في بداية مسيرته استيعابها، لأن الولاء للموكل قد يختلط بسهولة بالموافقة على كل ما يقوله. وقد استغرقني الأمر وقتاً حتى أدرك أن كشف نقاط الضعف في موقف الموكل قد يكون خدمة أكبر له من تعزيز كل حجة يرغب في طرحها.
كتب رينيه ديكارت في «مقال عن المنهج»: «لا يكفي أن يمتلك الإنسان عقلاً جيداً، بل الأهم أن يحسن استخدامه».[3] وأجد هذه العبارة اليوم أكثر التصاقاً بالممارسة القانونية مما كنت أتصور عندما كان والدي يضع كتب الفلسفة بين يدي. فالذكاء مفيد بلا شك، لكنه لا يعصم صاحبه من سوء التقدير، بل قد يمنحه أحياناً أدوات أكثر تطوراً للدفاع عن نتيجة كان قد حسم مسبقاً أنه يريد الوصول إليها.
ويتجلى ذلك بوضوح عند تقديم المشورة إلى رجال الأعمال الناجحين. فقد يكون مؤسس الشركة أعلم بسوقه وصناعته من محاميه بمراحل، وقد يكون أمضى عقوداً في بناء مشروعه، وتحمل المخاطر، واتخذ قرارات أثبت الزمن صحتها. وهذه الخبرة تستحق الاحترام، لكنها قد تجعل الاختلاف معه أصعب أيضاً؛ فالنجاح في مجال معين لا يعني سلامة التقدير في كل مجال آخر، ولا سيما عندما تدخل العاطفة أو الكبرياء أو الخوف من الخسارة إلى المعادلة.
وما قد يمتلكه المحامي ليس ذكاءً أعلى، وإنما حصيلة مختلفة من التجارب. فقد رأى كيف تبدو الشراكات بعد انهيارها، وشاهد كيف تفحص المحاكم أدلة كان الأطراف يعدونها هامشية، ويعرف أن جملة عابرة في اتفاقية قد تكتسب أهمية بالغة بعد خمس سنوات لأنه رأى ذلك يحدث من قبل. إنها، في جوهرها، ذاكرة للعواقب.
العقود تتصل بالبشر أيضاً
يميل المحامي في بداية مسيرته إلى قراءة العقد بنداً بنداً، لكن تلك البنود تبدأ، مع تراكم الخبرة، في الظهور بصورة مختلفة؛ فهي ليست مجرد كلمات قانونية، وإنما محاولات لاستباق ما قد يفعله البشر في المستقبل.
فبنود المسائل المحجوزة أو التي تستلزم موافقات خاصة توضع لأن السلطة التي تبدو غير ضارة في أوقات الوفاق قد تصبح موضع نزاع لاحقاً. وحقوق الحصول على المعلومات توجد لأن المعلومة ذاتها قد تتحول إلى مصدر للقوة. والضمانات تعالج تفاوت المعرفة بين الأطراف. وأحكام التعويض تكتسب أهميتها لأن ذاكرة الأطراف بشأن من وافق على تحمل الخسارة قد تتغير كثيراً بعد وقوعها. أما آليات معالجة الجمود والتخارج فتوضع لأن العلاقات التجارية لا يمكن أن تُبنى على افتراض أن الأشخاص الذين يتفقون اليوم سيظلون متفقين إلى الأبد.
ولهذا لم أنظر إلى التفصيل في العقود بوصفه تعبيراً عن سوء النية. فاتفاقية المساهمين المحكمة لا تعني أن الأطراف يشكون بعضهم في بعض، بل هي إقرار بأن الظروف تتغير، وأن الصداقة وحسن النية والذاكرة لا ينبغي أن تُحمّل مسؤولية كان الأولى أن تتحملها وثيقة قانونية واضحة.
وتتناول أستاذة القانون التجاري المصرية الدكتورة سميحة القليوبي ما يعرف في الفقه بمفهوم affectio societatis، أي نية المشاركة والتعاون بين الشركاء، بوصفه عنصراً مهماً في تمييز علاقة الشركة عن العلاقات التعاقدية العادية.[8] وما يثير اهتمامي في هذا المفهوم بعد سنوات من الممارسة ليس مجرد وجود تلك النية عند تأسيس الشركة، بل قابليتها للضعف مع مرور الوقت. فالشركاء الذين بدأوا بثقة كاملة قد ينظرون إلى مساهماتهم بطريقة مختلفة تماماً بعد نجاح المشروع وتعاظم قيمة ما أصبح محل اقتسام بينهم.
لقد رأيت علاقات لم يكن أحد فيها يهتم كثيراً بالنسب في البداية، ثم أصبحت كل مساهمة بعد سنوات موضوعاً لإعادة الحساب؛ فالوقت، والعلاقات، ورأس المال، والجهد الإداري، وحتى التضحيات الشخصية، تبدأ في اكتساب قيم مالية بأثر رجعي، وقد يصبح تاريخ المشروع ذاته محل خلاف. ولا يعني ذلك بالضرورة أن أحد الأطراف يكذب؛ فالذاكرة البشرية تميل إلى الاحتفاظ بسياق أفعالنا نحن ومبرراتها، بينما تركز غالباً على نتائج أفعال الآخرين. عندما أخفق أنا في تنفيذ التزام، أتذكر كل العقبات التي واجهتني، وعندما يخفق غيري في الالتزام ذاته، قد أتذكر الإخفاق وحده.
ويُظهر التقاضي هذه النزعة بصورة أوضح؛ فملاحظة تولستوي بأن الناس غالباً ما يكونون أكثر اهتماماً بتغيير الآخرين من مراجعة أنفسهم تبدو مألوفة للغاية لمن أمضى وقتاً كافياً في النزاعات.[4] يأتي المساهم وهو قادر على شرح كل تصرف صدر عن شريكه ويراه غير مخلص، ويتذكر الموظف الظلم، بينما يتذكر صاحب العمل الخيانة. أما الشخص الذي يبدأ بسؤال نفسه عما أسهم به هو في انهيار العلاقة فهو أقل شيوعاً.
فنحن نعيش أنفسنا من داخل دوافعنا، بينما نرى الآخرين من ظاهر أفعالهم. نعرف لماذا تصرفنا، ونعرف مخاوفنا وإحباطاتنا وتفسيراتنا، لكن الحياة الداخلية للطرف الآخر ليست متاحة لنا؛ ولذلك يبدو سلوكه أمامنا أكثر تجرداً من السياق. وبحلول الوقت الذي يصل فيه النزاع إلى المحامي، قد تكون محاكمة كاملة قد جرت بالفعل داخل عقل كل طرف؛ اختار كل منهما الأدلة التي تؤيد روايته، وقبل تفسيراته الخاصة، وغالباً ما أصدر في داخله حكماً ببراءة نفسه قبل أن تبدأ المحاكمة الحقيقية.
الثروة والسلطة ومعضلة غياب الرأي المخالف
تغير الممارسة الطويلة أيضاً الطريقة التي ننظر بها إلى الأشخاص الناجحين. فكثير من رجال الأعمال العصاميين أشخاص استثنائيون بحق، وسيكون من غير المنطقي التقليل من قيمة الحكم والخبرة اللذين مكنا شخصاً من بناء مشروع كبير لمجرد أنه ليس محامياً. غير أن النجاح المتكرر قد يولد هشاشة خاصة تتمثل في أن يبدأ الإنسان برؤية تفوقه في مجال معين دليلاً على سلامة تقديره في جميع المجالات.
وقد لا تكمن المشكلة الأكبر داخل الشخص عينه، بل في البيئة التي تتشكل حوله مع ازدياد نجاحه ونفوذه. فكلما ازدادت قوة الإنسان، أصبح الاختلاف معه أكثر كلفة على من حوله؛ يتعلم الموظفون أي الملاحظات مرحب بها وأيها يفضل عدم قولها، وقد يصبح المستشار الذي يعتمد بدرجة كبيرة على علاقة واحدة أكثر ليونة في عرض رأي غير مريح، وقد يتوقف الأصدقاء عن مراجعة بعض أفكاره تجنباً للاحتكاك. ولا يشترط أن يحدث شيء من ذلك بتدبير متعمد، بل قد لا يكون الشخص الناجح عينه مدركاً لما يجري حوله.
وفي النهاية قد تزداد كمية المعلومات التي تصل إليه بينما يقل مقدار الاعتراض الحقيقي الذي يسمعه. وهذه تركيبة خطرة، لأن الإنسان قد يبدأ، من دون أن يشعر، في تفسير الصمت على أنه موافقة، والاحترام على أنه اقتناع، والخوف من الاختلاف معه على أنه دليل على صحة رأيه.
وهنا يأتي دور المحامي المستقل، وهو دور قد لا يكون مريحاً دائماً. فالعملاء لا يحتاجون في كل مرة إلى شخص يعيد صياغة مواقفهم بلغة قانونية أقوى؛ ففي بعض الأحيان تكون النصيحة الأكثر قيمة هي تحديداً تلك التي لم يكونوا يرغبون في سماعها.
وقد يكون الموكل الذي لا يعرف الكثير عن القانون أسهل في تقديم المشورة لأنه يدرك حدود معرفته. أما الوضع الأكثر تعقيداً فينشأ عندما يكون الشخص شديد الذكاء ومتمرساً تجارياً، ويفهم النفوذ والغموض والتكلفة والتنفيذ بدرجة تجعله لا يسأل: «ما الذي يتطلبه القانون؟»، بل يسأل: «إلى أي مدى يمكنني أن أذهب من دون أن أتجاوز الحد قانوناً؟».
قد توجد إجابة قانونية عن هذا السؤال، لكنها نادراً ما تكون الإجابة الوحيدة التي تستحق التفكير. كيف سيبدو التصرف إذا أصبح جزءاً من الأدلة أمام المحكمة؟ وهل يظل التفسير مقنعاً إذا رواه الخصم بدلاً من العميل؟ وهل يبقى القرار منطقياً تجارياً بعد احتساب أثره على السمعة والعلاقات؟ ففي بعض الأحيان يمكن بناء هيكل قانوني لتصرف ما، ومع ذلك يظل ذلك التصرف قراراً سيئاً.
الاحتيال لا يعلن عن نفسه دائماً
تغير الخبرة أيضاً الصورة التي يحملها المحامي عن عدم الأمانة. ففي بداية المسيرة قد يميل الإنسان إلى الاعتقاد بأن الاحتيال سيبدو مشبوهاً بمجرد رؤيته، لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك؛ فقد يأتي التصرف غير المشروع في ملف أنيق ومتكامل يحتوي على عقود وفواتير وقرارات مجالس إدارة وآراء قانونية ووثائق موقعة وفق الأصول. وقد تكون كل وثيقة منفردة صحيحة تماماً، بينما يكمن التضليل في الصورة التي تُبنى عند جمع تلك الوثائق معاً.
ولهذا يضطر المحامي إلى النظر إلى ما وراء الشكل. هل التسلسل الزمني منطقي؟ هل تصرف الأطراف وقت وقوع الأحداث بما يتفق مع الموقف القانوني الذي طرحوه لاحقاً؟ من الذي حصل فعلياً على المنفعة الاقتصادية؟ ولماذا أُعد مستند معين في ذلك التوقيت تحديداً؟ وأحياناً يكون تناقض صغير في واقعة تبدو هامشية أكثر كشفاً من الواقعة الكبرى التي انشغل بها الجميع في البداية.
أما الصعوبة الأعمق فتكمن في أن خداع الذات يمكن أن يتعايش مع التصرف المتعمد. فقد يتلاعب الإنسان بموقف ما لمصلحته، ومع ذلك يبني داخل نفسه تفسيراً يسمح له بالاعتقاد بأنه كان محقاً. ولهذا أصبحت أكثر تردداً في تقسيم الناس ببساطة إلى أمناء وغير أمناء؛ فالنفس البشرية قادرة على احتواء تناقضات كثيرة، وأحياناً لسنوات طويلة.
وتبدو هنا مقولة هيغل الشهيرة: «إن بومة مينرفا لا تبدأ طيرانها إلا مع حلول الغسق» ذات صلة خاصة بالممارسة القانونية.[5] فكثيراً ما تصل الحكمة بعد وقوع الحدث؛ يظهر ضعف اتفاقية المساهمين بعد وقوع الخلاف، وتظهر أهمية حقوق المعلومات بعد حجبها، وقد تعمل ترتيبات حوكمة غامضة سنوات من دون مشكلة ثم تتحول إلى أزمة بمجرد أن تصبح السيطرة محل نزاع. وغالباً ما يُطلب من محامي المعاملات أن يتخيل تلك الإخفاقات بينما يكون كل من في الغرفة متفائلاً، ولذلك قد تبدو النصيحة القانونية الجيدة متشائمة أكثر من اللازم عند تقديمها، ثم تبدو بعد سنوات واضحة إلى درجة يتساءل معها الجميع كيف لم يروها من قبل.
ماذا تفعل المهنة بنفس المحامي؟
ثمة جانب آخر لكل هذا لا يتحدث عنه المحامون دائماً بصراحة؛ فالتعرض المستمر للوعود المكسورة والتلاعب والنزاعات قد يغير الشخص الذي يقضي جانباً كبيراً من حياته المهنية في التعامل معها.
وقد تناولت مراجعة تحليلية شملت 145 منشوراً حول رفاه المحامين أبحاثاً أشارت إلى ارتباط بعض أنواع العمل القانوني الصعب بالشعور بالانفصال، وانخفاض الثقة بالآخرين، وحدوث تغيرات سلبية في النظرة إلى العالم.[6] كما أظهرت دراسة نوعية منفصلة تناولت محامي دفاع يمثلون مرتكبي جرائم جنسية زيادة في الحذر وتراجعاً في الثقة لدى بعض المشاركين.[7]
ولا أريد أن أبالغ فيما يمكن أن تثبته مثل هذه الدراسات، لكن التجربة التي تقف خلفها ستكون مألوفة لكثير من المحامين الذين مارسوا المهنة فترة طويلة. يبدأ المحامي في التعرّف على أنماط معينة، ويصبح أقل دهشة من بعض التصرفات، وهنا يظهر الخطر؛ فقد يتحول التعرّف على الأنماط تدريجياً إلى افتراض مسبق، ويتحول الحذر المهني إلى نظرة أكثر قسوة إلى الناس. وقد أدركت مع الوقت أهمية مقاومة ذلك، لأن ممارسة القانون تعرض أمامنا الجانب المظلم من السلوك البشري بحكم طبيعة النزاعات، لكنها تكشف الجانب الآخر أيضاً.
رأيت أشخاصاً يلتزمون بتعهدات كان بإمكانهم التهرب منها، ورأيت رجال أعمال يقبلون خسائر مالية لأنهم أعطوا كلمتهم، ورأيت مسؤولين يتحملون المسؤولية رغم أن الإنكار كان أسهل. ولهذه الأمثلة أهميتها، لأن الخبرة من دونها قد تعلمنا الدرس الخطأ. فالدرس ليس أن البشر أشرار، بل أن الإنسان قادر على الخير والشر معاً، وأن ظروفاً معينة قد تكشف من شخصيته ما لا تكشفه سنوات طويلة من التعامل العادي.
وهذا يعيدني إلى ما كان والدي يحاول أن يعلمنيه قبل أن أمتلك الخبرة اللازمة لفهمه. عندما كان يصر على أن أقرأ القرآن الكريم والفلسفة، لم يكن يمنحني وسيلة للتنبؤ بالناس؛ فلا توجد وسيلة مضمونة لذلك، وأصبحت مع السنوات أكثر تحفظاً تجاه أي شخص يزعم أنه يستطيع قراءة النفس البشرية قراءة كاملة. ما علمتني إياه تلك الكتب هو أن أستمر في السؤال عما قد يكون موجوداً خلف التفسير الظاهر.
ومع الوقت تغيرت طريقة استماعي إلى الموكلين والخصوم. أصبحت أكثر انتباهاً إلى الوجوه وردود الفعل والصمت، وإلى الإجابة التي تأتي بسرعة غير معتادة، وإلى الموضوع الذي يتجنبه الشخص مراراً، وإلى المسافة التي قد تفصل بين الموقف القانوني الذي يتبناه وبين السلوك الذي سبقه. ولا يشكل أي من ذلك دليلاً في ذاته، ولا ينبغي للمحامي أن يعامله كذلك، لكنه قد يدلّه على الموضع الذي ينبغي أن يطرح فيه السؤال التالي.
من آدم وحواء إلى مجلس الإدارة
لقد تغيرت الحضارة إلى حد يصعب معه مقارنتها بالعالم الذي بدأت فيه القصة التي افتتحت بها هذا المقال. ينظم البشر حياتهم اليوم من خلال الشركات ومجالس الإدارة والأنظمة الرقابية والعقود المعقدة وأطر الحوكمة التي لم يكن من الممكن تخيلها في عصور سابقة، ومع ذلك ما زالت العلاقة الأساسية بين القاعدة والإغراء والاختيار مألوفة.
لقد اتخذت الشجرة المحرمة صوراً أخرى فحسب؛ فقد تكون فرصة تجارية تجذب مديراً بصفته الشخصية، أو معلومات سرية يمكن استغلالها مالياً، أو صفقة مع طرف ذي علاقة لم يتم الإفصاح عنها، أو التزاماً بدا منطقياً تماماً عند توقيعه ثم أصبح مرهقاً بعد سنوات.
وهذا أحد أسباب وجود الحوكمة. فهي لا تقوم على افتراض أن كل مدير سيتصرف بطريقة سيئة، كما أن وجود حق في التدقيق لا يعني افتراض عدم أمانة الإدارة، ووجود عقد مكتوب لا يعني انعدام الثقة. إنها أدوات لبناء مؤسسات تستطيع الاستمرار في العمل حتى عندما يصبح الأشخاص داخلها غاضبين أو خائفين أو طموحين، أو عندما لا يعودون ببساطة متفقين كما كانوا في البداية.
وقد تناول الفقيه المصري الدكتور عبد الرزاق السنهوري، أحد أبرز واضعي أسس القانون المدني العربي الحديث، وظيفة القانون من زاوية تقرير الحقوق وتحديد حدودها وإلزام الناس باحترامها.[9] وأجد هذا التصور مهماً لأنه لا يحمّل القانون مهمة إصلاح الطبيعة البشرية، بل يمنحه وظيفة أكثر واقعية؛ فالقانون يستطيع أن يرسم حداً، وأن يحدد المسؤولية عند تجاوزه، وأن يرتب النتائج، وأن يوفر آلية لمعالجة النزاع الناشئ، أما ما لا يستطيع فعله فهو أن ينزع من النفس البشرية الرغبة أو الخوف أو الطموح أو الشعور بالاستحقاق الذي قد يدفع الإنسان أصلاً إلى اختبار ذلك الحد.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لعبارة والدي التي لم أستوعبها حينها: «كل نظام يحمل بذور فنائه في داخله, فالنظام يُختبر في النهاية بالأشخاص الذين يعملون داخله، لا بالنصوص التي أنشأته وحدها.
لماذا القرآن والفلسفة
عندما بدأت مسيرتي المهنية، كنت أعتقد أن الصيرورة إلى محامٍ أفضل تعني، بالدرجة الأولى، الاستزادة من العلم بالقانون؛ كنت أريد أن أحيط بالتشريعات والأحكام والإجراءات والهياكل التعاقدية، ولا أزال أرى أن كل ذلك أساسي ولا غنى عنه. الذي تغير هو فهمي لما يأتي بعده.
فالكتب التي أجبرني والدي على قراءتها بدأت، مع الوقت، ترتبط بما أراه في الممارسة. أصبح تمييز ديكارت بين امتلاك عقل جيد وحسن استخدامه واضحاً أمامي في أشخاص شديدي الذكاء يتخذون قرارات سيئة. وأصبحت حكمة هيغل التي لا تظهر إلا عند الغسق حاضرة في الصفقات التي لا تتضح عيوبها إلا بعد انهيار العلاقات. وأصبحت ملاحظة تولستوي مألوفة في اليقين الأخلاقي الذي يصف به المتخاصمون بعضهم بعضاً. لم يمنحني هؤلاء المفكرون إجابات قانونية، لكنهم منحوني لغة لفهم أشياء بدأت أراها عبر الطاولة.
وأنا اليوم ممتن لتلك الأوقات التي كان والدي يجلسني فيها أمامه ويطلب مني أن أقرأ شيئاً لم أفهمه. ولا أعتقد أنه كان يتوقع مني أن أتذكر كل نظرية فلسفية، وأنا بالتأكيد لم أفعل، لكن ما بقي معي هو عادة النظر إلى ما وراء التفسير الأول وعدم الاكتفاء بالرواية الأسهل.
ولعل هذه العادة أثرت في ممارستي أكثر مما كنت أدرك؛ فقد تعلمت أن أنظر إلى المساهم الذي يريد السيطرة وأسأل لماذا أصبحت السيطرة فجأة بهذه الأهمية، وتعلمت أن أصغي بطريقة مختلفة عندما يتغير مفهوم الشريك للعدالة بعد أن ترتفع قيمة الشركة، وتعلمت أن السلوك غير المشروع المتطور قد يبدو محترماً تماماً، وأن الذكاء قد يجعل التبرير الداخلي أكثر قوة لا أقل.
وتعلمت أيضاً أن الوجوه والصمت والسلوك قد تروي جزءاً من القصة لا تفصح عنه اللغة القانونية؛ ليس دائماً، ولا باليقين الذي يتطلبه القانون من الأدلة، ولكن أحياناً بالقدر الكافي لكي يدفع المحامي إلى طرح سؤال آخر. وربما كان أوضح اختبار للشخصية واجهته خلال سنوات الممارسة واحداً من أبسطها: ماذا يفعل الإنسان عندما يصبح فعل الصواب مكلفاً؟ لم أكن لأفهم هذا السؤال عندما وضع والدي كتاباً لهيغل أو ديكارت بين يدي للمرة الأولى، أما اليوم فأفهمه بصورة أفضل.
وبعد ما يقارب عقدين في المهنة، لا أزال أقضي جانباً كبيراً من وقتي في قراءة التشريعات والأحكام القضائية والعقود، ومع ذلك لم تعد هذه الأشياء هي التي تفاجئني أكثر. فالجزء الأصعب غالباً هو الإنسان: الموكل، والخصم، والشريك، والشاهد، والمدير، وأحياناً حتى المحامي ذاته. فالقانون يمكن البحث فيه، والعودة إلى نصوصه، وتحليل أحكامه، ومقارنة قواعده؛ أما الإنسان الجالس على الجانب الآخر من الطاولة، فلا يزال يحتاج في كل مرة إلى أن يُفهم من جديد.
المراجع
[1] القرآن الكريم، سورة البقرة: 35–37.
[2] Oxford Royale, 15 Hardest Degree Subjects.
[3] René Descartes, Discourse on Method and Related Writings, Penguin Random House.
[4] Leo Tolstoy, Three Methods of Reform.
[5] Hegel Society of America, The Owl of Minerva.
[6] Towards a Context-Specific Approach to Understanding Lawyers’ Well-Being: A Synthesis Review and Future Research Agenda, PubMed Central.
[7] From Their Angle: A Look at the Emotional World of Defense Attorneys Who Represent Sex Offenders, PubMed Central.
[8] د. سميحة القليوبي، الشركات التجارية، دار النهضة العربية، في تناولها لمفهوم نية المشاركة affectio societatis في عقد الشركة.
[9] د. عبد الرزاق السنهوري وأحمد حشمت أبو ستيت، أصول القانون.
كل الاحترام والتقدير
أ. أيهم عبدالله نصار القيسي




